العيني

149

عمدة القاري

نعد لقبوله بتوبة تظهر ، ومن ضعفنا نقله لم نجعله قويا بعد ذلك . قال : وذلك فيما افترقت فيه الشهادة والرواية . قال النووي : هذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة مخالف للقواعد ، والمختار القطع بصحة توبته من ذلك وقبول روايته بعد صحة التوبة بشروطها ، وقد أجمعوا على قبول رواية من كان كافرا ثم أسلم ، وأكثر الصحابة كانوا بهذه الصفة ، وأجمعوا على قبول شهادته ، ولا فرق بين الرواية والشهادة . قلت : قد قيل عن مالك في شاهد الزور : إذا ثبتت عليه شهادة الزور لا تسمع له شهادة بعدها ، تاب أم لا . وقد قال أبو حنيفة والشافعي ، فيمن ردت شهادته بالفسق ثم تاب وحسنت حالته : لا تقبل منه إعادتها لما يلحقه من التهمة في تصديق نفسه . وقال أبو حنيفة : إذا ردّت شهادة أحد الزوجين للآخر ثم تاب لا تسمع للتهمة ، فلا يبعد أن يجيء مثله ههنا لأن الرواية كلها كنوع من الشهادة . الثاني : لا فرق في تحريم الكذب على النبي عليه الصلاة والسلام ، بين ما كان في الأحكام وغيره : كالترغيب والترهيب . فكله حرام من أكبر الكبائر بإجماع المسلمين المعتد بهم ، خلافا اللكرامية في زعمهم الباطل أنه يجوز الوضع في الترغيب والترهيب ، وتابعهم كثير من الجهلة الذين ينسبون أنفسهم إلى الزهد . ومنهم من زعم أنه جاء في رواية : من كذب علي متعمدا ليضل به ، وتمسكوا بهذه الزيادة : أنه كذب له لا عليه ، وهذا فاسد ومخالف لإجماع أهل الحل والعقد ، وجهل لسان العرب ، وخطاب الشرع . فإن كل ذلك كذب عندهم . وأما تعلقهم بهذه الزيادة فقد أجيب عنها بأجوبة : أحدها : أن الزيادة باطلة اتفق الحفاظ على بطلانها . والثاني : قال الإمام الطحاوي : ولو صحت لكانت للتأكيد ، كقوله تعالى : * ( فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم ) * ( الأنعام : 144 ) . والثالث : أن اللام في : ليضل ، ليست للتعليل ، بل لام الصيرورة والعاقبة ، والمعنى : على هذا يصير كذبه إلى الضلال به . الثالث : من روى حديثا وعلم أو ظن أنه موضوع فهو داخل في هذا الوعيد إذا لم يبين حال رواته وضعفهم ، ويدل عليه أيضا قوله ، عليه الصلاة والسلام : ( من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ) . قال النووي : الرواية المشهورة ضم الياء في : يرى ، و : الكاذبين ، بكسر الياء على الجمع . الرابع : إذا روى حديثا ضعيفا لا يذكره بصيغة الجزم ، نحو : قال أو فعل أو أمر ، ونحو ذلك ، بل يقول : روي عنه كذا ، وجاء عنه كذا ، أو يذكر أو يُروى أو يُحكى ، أو يُقال أو بلغنا ونحو ذلك ، فإن كان صحيحا أو حسنا قال فيه : قال رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، كذا ، أو فعله ، ونحو ذلك من صيغ الجزم . وقال القرطبي : استجاز بعض فقهاء العراق نسبة الحكم الذي يدل عليه القياس إلى رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، نسبة قولية ، وحكاية فعلية ، فيقول في ذلك : قال رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، كذا ، وكذا . قال : ولذلك ترى كتبهم مشحونة بأحاديث موضوعة تشهد متونها بأنها موضوعة لأنها تشبه فتاوى الفقهاء ، ولا يليق بجزالة كلام سيد المرسلين ، فهؤلاء شملهم النهي والوعيد . الخامس : مما يظن دخوله في النهي : اللحن وشبهه ، ولهذا قال العلماء رضي الله عنهم : ينبغي للراوي أن يعرف من النحو واللغة والأسماء ما يسلم من قول من لم يقل . قال الأصمعي : أخوف ما أخاف على طالب العلم ، إذا لم يعرف النحو ، أن يدخل في قوله عليه الصلاة والسلام : ( من كذب علي . . . ) الحديث ، لأنه عليه السلام لم يكن يلحن ، فمهما لحن الراوي فقد كذب عليه . وكان الأوزاعي يعطي كتبه ، إذا كان فيها لحن ، لمن يصلحها ، فإذا صح في روايته كلمة غير مفيدة فله أن يسأل عنها أهل العلم ويرويها على ما يجوز فيه . روي ذلك عن أحمد وغيره ، قال أحمد يجتنب إعراب اللحن لأنهم كانوا لا يلحنون . وقال النسائي ، فيما حكاه القابسي : إذا كان اللحن شيئا تقوله العرب ، وإن كان في لغة قريش ، فلا يغير لأنه ، عليه السلام ، كان يكلم الناس بلسانهم ، وإن كان لا يوجد في كلامهم فالشارع لا يلحن . وقال الأوزاعي : كانوا يعربون وإنما اللحن من حملة الحديث فأعربوا الحديث . وقيل للشعبي : أسمع الحديث ليس بإعراب أفأعربه ؟ قال : نعم . فإن قلت : لو صح في رواية ما هو خطأ ما حكمه ؟ قلت : الجمهور على روايته على الصواب ، ولا يغيره في الكتاب ، بل يكتب في الحاشية كذا وقع وصوابه كذا . وهو الصواب . وقيل : يغيره ويصلحه . وروي ذلك عن الأوزاعي وابن المبارك وغيرهما وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل . قال : كان أبي إذا مر به لحن فاحش غيره . وإن كان سهلاً تركه . وعن أبي زرعة أنه كان يقول : أنا أصلح كتابي من أصحاب الحديث إلى اليوم . السادس : مما يتعلق بهذا الباب بيان أصناف الواضعين : الأول : قوم زنادقة كالمغيرة بن سعيد الكوفي ، ومحمد بن سعيد المصلوب ، أرادوا إيقاع الشك في قلوب الناس ، فرووا : أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي إلاَّ أن يشاء الله . الثاني : قوم متعصبون ، ومنهم من تعصب لعلي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، فوضعوا فيه أحاديث ،